ابن أبي الحديد

17

شرح نهج البلاغة

كانت الحال متماسكة ، وكان ينهى عن إنجاده وإعانته بالحرب امتنعوا وتوقفوا ، وحيث اشتد الامر أعانه ونصره من أدركه ، دون من لم يغلب ذلك في ظنه . * * * اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام ، فقال ( 1 ) : أما قوله : لم يكن عالما بحال الفسقة الذين ولاهم قبل الولاية ، فلا تعويل عليه ، لأنه لم يول هؤلاء النفر إلا وحالهم مشهورة في الخلاعة والمجانة والتجرم والتهتك ، ولم يختلف اثنان في أن الوليد بن عقبة لم يستأنف التظاهر بشرب الخمر والاستخفاف بالدين على استقبال ولايته للكوفة ، بل هذه كانت سنته والعادة المعروفة منه ، وكيف يخفى على عثمان - وهو قريبه ولصيقه وأخوه لامه - من حاله ما لا يخفى على الأجانب الأباعد ! ولهذا قال له سعد بن أبي وقاص - في رواية الواقدي ، وقد دخل الكوفة - : يا أبا وهب ( 2 ) ، أمير أم زائر ؟ قال : بل أمير ، فقال سعد : ما أدرى أحمقت بعدك أم كست ( 3 ) بعدي ! قال : ما حمقت بعدي ولا كست بعدك ، ولكن القوم ملكوا فاستأثروا ( 4 ) فقال سعد : ما أراك إلا صادقا . وفي رواية أبى مخنف لوط بن يحيى الأزدي أن الوليد لما دخل الكوفة مر على مجلس عمرو بن زرارة النخعي ، فوقف ، فقال عمرو : يا معشر بنى أسد ، بئسما استقبلنا به أخوكم ابن عفان ! أمن عدله أن ينزع عنا ابن أبي وقاص ، الهين اللين السهل القريب ، ويبعث بدله أخاه الوليد ، الأحمق الماجن الفاجر قديما وحديثا ! واستعظم الناس مقدمه ، وعزل سعد به ، وقالوا : أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد صلى الله عليه ! وهذا تحقيق ما ذكرناه من أن حاله كانت مشهورة قبل الولاية ، لا ريب فيها عند أحد ، فكيف

--> ( 1 ) الشافي ص 269 ( 2 ) أبو وهب كنية الوليد لن عقبة . ( 3 ) من الكيس ، وهو خلاف الحمق . ( 4 ) الشافي : ( ملكوا فاستأثروا ) .